الجصاص
243
الفصول في الأصول
مخالفته ، لأن ما كان طريقه الاجتهاد فكل من أداء اجتهاده إلى شئ لزمه القول ( 1 ) به ، وجاز له مخالفة غيره فيه ، وفي اتفاق جميع المسلمين على وجوب التسليم له فيما قاله وفعله دلالة على أنه لا يقول إلا وحيا وتنزيلا . قيل له : الجواب عن ذلك من وجهين : أحدهما : أنا قد علمنا : أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال قولا من طريق الاجتهاد فأغفل موضع الصواب نبهه الله عليه بوحي من عنده ، وغير جائز أن يخليه ( 2 ) موضع إغفاله ، كما قال تعالى : ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) ( 3 ) وكقوله تعالى : ( عبس وتولى ) ( 4 ) فإذا كان هذا ( 5 ) سبيله فغير جائز لأحد مخالفته . والوجه الثاني : أن هذا القائل يوافقنا : على أن الإجماع قد يكون من طريق الاجتهاد ، وقد يثبت عندنا ذلك أيضا بالدلائل الصحيحة ، ثم إذا ( 6 ) انعقد إجماع أهل العصر من طريق الاجتهاد لم يجز لمن بعدهم أن يخالفهم ، كذلك النبي عليه السلام يقول من طريق الاجتهاد ويكون لاجتهاده مزية لا يحق من أجلها لغيره أن يخالفه ، فأما قوله تعالى : ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) فإن فيه جوابين : أحدهما : أنه أراد القرآن نفسه ، لأنه قال تعالى : ( والنجم إذا هوى ) ( 7 ) قبل في التفسير معناه القرآن إذا تزل . والوجه الثاني : أن الاجتهاد لما كان مصدره عن الوحي لأن الله قد أمر به ، فدل عليه - جاز أن يقال : إن ما أداه ( 8 ) إليه اجتهاد فهو عن وحي ، لأنه قد أوحى إليه باستعمال الاجتهاد .